الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بقلم المنصف بن مراد: تونس «بلاش امّالي»

نشر في  15 جوان 2016  (10:58)

رغم أنّي لست متمكّنا من «علم السياسة» فإنّ تجربتي كبيرة في تحليل ما في عالم السياسة وغرائبه.. إنّ المصيبة الكبرى تكمن في ضعف مؤسّستي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وفي تعيين وزراء  وفق منطق المحاصصة لم ينجح منهم الاّ اثنان أو ثلاثة..
انّ البلاد تغرق اليوم والإفلاس يدقّ أبوابها، ورئيس الجمهورية يقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية. لقد اقترحت منذ اكثر من ثمانية اشهر تعيين رئيس حكومة من الجيش الوطني يحترم الدستور والحريات، وكذلك تعيين وزراء من حديد خاصة في الداخلية والدّفاع والعدل والاقتصاد. وان لم ينجز  ذلك  فقد طلبت من الباجي الاستقالة لأنّه مكبّل بمصالح ابنه وبتحالفه مع النهضة، ولأنّه بلا رؤية اجتماعيّة..  ورغم أنّي احترمه «كأخ كبير» من واجبي ان أصارحه وأكرّر له انّ بلادي وبلاده وبلاد كل التونسيين بحاجة الى قرارات صارمة وحكومة من الاسمنت المسلّح لا تكتفي باتخاذ الاجراءات والترقيع بل تنظّم حوارا وطنيا تتّفق خلاله  الأحزاب واتحاد الشّغل والأعراف ـ وبسرعة ـ حول رؤية مستقبلية للبلاد تجمع بين الرّقيّ الاجتماعي والنمو الاقتصادي وتنهي التردّد الحكومي.

على الصّعيد الاجتماعي كيف يمكن الأخذ بعين الاعتبار الأفكار التقدّمية الرّامية الى تحسين الأجور وتنمية الجهات المهمّشة واحداث مواطن شغل دون التداين المفرط؟ انّ القرارات الاجتماعيّة لكل الحكومات التي تعاقبت منذ تغيير النظام كانت تحت ضغط الاضطرابات والاحتجاجات وغلق الطرقات والمسيرات ولم تكن افرازا لنظرة اجتماعية شاملة.. انّ بعض افكار اتحاد الشغل على الصعيد الاجتماعي ايجابية لكن من مصلحة تونس ان تحتجب الاضطرابات  المضرة بالاقتصاد.. لماذا كبّلت شركة فسفاط قفصة بالاضرابات بل دمرت وهي التي كانت تدرّ على تونس ما يناهز 3000 مليار من مليماتنا؟ لقد طلبت في مناسبات عديدة من المجلس التأسيسي اتخاذ قرار يسمح لبعض الولايات بالانتفاع بمقدار هام من عائدات ثرواتها الطبيعية، لكن وللأسف ليس لنا ـ عموماـ نواب واعون بالقضايا الاستراتيجية وعدد من هؤلاء منشغلون بدسترة لجان شرعية داخل البنوك عوض التفكير في مصلحة الشعب!
اما على الصّعيد الاقتصادي فهناك كارثة كبرى في انتظارنا بسبب المديونية المفرطة، فبلادنا مطالبة بدفع 8000 مليار من مليماتنا سنة 2017 وستغرق بقروض جديدة لدفع القروض القديمة وهذه جريمة كبرى في حقّ الوطن..! منذ البداية أخطأت حكومتا الترويكا ولم تفكرا في مصلحة تونس بل ـ فقط ـ في مصلحة مناضلي حزب النّهضة وقدّمت لهم تعويضات فاقت 1500 مليار من مليماتنا بما «يجازي تضحياتهم الحزبيّة».  وكأنّ كل ذلك لم يكن كافيا، انتدبت النهضة مناصريها في كلّ الوزرات وفي كل المؤسسات الوطنية حتى تستحوذ على الإدارة وخاصة على وزارات الدّاخلية والعدل والدّفاع ومازالت كلّ الوزارات الى يومنا هذا مخترقة من قبل النهضة! فبأي ادارة سنواجه المشاكل وسننفذ سياسة الحكومة؟ ومن اين ستوفر الأموال لضمان رواتب الموظفين ثم من اين سنأتي بالأموال للاستجابة للمطالب النقابية المتعاقبة وأيضا للتّرفيع في الأجور والخزينة مفلسة؟ كان من الأجدر فرض العدالة الجبائية وتجنب المديونية لكن أصحاب المهن الحرة اظهروا غياب الحس الوطني وروح المسؤولية وكأن تونس وأمنها ونموّها لا تهمّ أصحاب هذه المهن! لقد كان على الحكومة اقرار العدالة الجبائية مهما كان الثمن لكن يكفي عقد اجتماعات أو تنظيم احتجاجات حتى تتراجع الحكومة في قراراتها! ولنعترف بأنّه في مثل هذا المناخ الاجتماعي لا يمكن لأيّ حكومة ان تنجح ما عدا حكومة وحدة وطنيّة يترأسها ضابط من الجيش لا يراعي اي مصالح حزبية ضيقة! ثم ما هي مجلة الاستثمار التي ستسمح لرجال الأعمال التونسيين والأجانب ببعث المشاريع والحال أنّ الارهاب والاضطرابات والاضرابات تهدّد البلاد والعباد؟ كيف يمكن طمأنة المستثمرين حتى يبعثوا المشاريع ويساهموا في توفير مواطن شغل، علما انّ رجل الأعمال أصبح اليوم متهما في عيون بعض النقابيين! ثم لماذا لم تحاكم الحكومة كبار المهرّبين الفاسدين المتضلعين في اختراق الحدود والبعض منهم خونة؟ لقد قدّر الخبراء ثروتهم بـ25.000 مليار ولكن الحكومة لم تحرّك ساكنا لإجبارهم على إيداع أموالهم في البنوك والا تمّت محاكمتهم.
..وبالنسبة الى مكافحة الارهاب والمؤتمر الوطني الذي اقترحه خاصّة اتحاد الشغل والرّابطة التونسيّة لحقوق الانسان، يجدر التذكير بأنّ الحكومة رفضت هذا المقترح لأنّ النهضة والنداء لا يريدان تسليم هذا الملف الحّساس لغيرهما لأسباب غريبة.. ولولا بطولة الضباط والجنود والحرس والأمنيين لغرقت تونس في بركة من الدم بسبب الخيانات الداخلية والمؤامرات الخارجيّة!

عندما أشاهد خمسة وزراء من حكومة تونسيّة يشاركون في تدشين مقهى أو مطعم أقول انّ المصيبة حلّت ببلادي، ذلك أنّه كان بإمكانهم زيارة هذا الفضاء لاحقا مع عائلاتهم حتى لا تكون كثافة عددهم مثيرة  للتهكّم والاستغراب.
انّ تونس اليوم «بلاش امّالي» وهي تغرق ومعظم الأحزاب السياسية لا همّ لها سوى مصالحها الضيّقة والكراسي المرتقبة ومنافع السلطة.
إنّ تونس ـ اليوم ـ على وشك ان يتحكّم فيها كبار المهرّبين وحلفاؤهم في بعض الأحزاب والسّفارات الغربية.. انّ بلد حنبعل اصبح اليوم يتيما و«بلاش امّالي».